ملامح عتيقة حفرت تضاريسها في وجهها الطيب، كل بقعة على الأرض وجدت مكانا لها في خارطة وجهها .
تراها وتلك الزيتونة الضاربة في عمق التاريخ قد توحدتا في الأرض لا تدري أي منهما في حضن الأخرى، علاقة حب من نوع نادر، ترى العجوز الطيبة تحضن زيتونتها كعاشقة تعرف كيف تجعل معشوقها ينثر الحب لها على طرقات حياتها فيهديها زيتاَ من نور عينيه تضئ بها لياليها المعتمه ، ويملأ مائدتها بغذاء القلب والروح قبل المعدة الفارغة الا من القناعة والشكر لله
في الحارة العتيقة ذات الدروب الضيقه والضجيج المزعج والمحبب بنفس الوقت لأنه صوت طبيعي لعراك الأطفال حينا أو مشاكسات الجارات أو صياح رجال يعقدون صفقاتهم برعاية السماء داخل قلوبهم الطيبة ...
هناك يقبع بيت جدتي أو هو في الحقيقة خيمتها المحسّنه بعد أن غادرت الخيمة القماشية لتتخذ من الأطلال ذات سقوف القش وجدران الطين بيتاَ يأويها وجدي الذي أرهقته غارات الأيام ورحلات النزوح...
ورغم الفقر الواضح والحزن القابع في الجدران لكنك كنت ترى الملائكة تنشد في أرجاء البيت تراتيل حب أزلي جمع أفرادها على رائحه الجدة
المميزة ومائدتها البسيطة حقاَ ولكنها غنية بما كانت تجود به من عبق روحها وحبها .... والجد الغالي أمتع أوقاته وهو يشاكسها بصناعة الحلوى بالفستق السوداني العابقة برائحة بحر يافا حيث تشبّع هناك هواء البحر وافترش رمال الشاطئ المالح فلاحقته تلك الرائحة ولا زالت تلاحقنا من بعده ..
في زاوية المطبخ الصغير كان هناك شئ جميل يجذبني ، إنه سلّة الخضار البلاستيكية ذات الثقوب الواسعه ، كان أحب الأشياء لي أن ارافق جدتي لسوق الخضار لسبب واحد فقط وهو الشعور بدهشة الألوان المتناثرة في السلّه عندما تمتلئ بالفاكهة والخضار بعفوية و جمال ... قد يبدو مشهدا سخيفاَ لهذا الجيل ولكنهم معذورون .. فمن فاتته نكهه ذاك الزمان القريب لا يمكن أن يدركها إلا إذا كان ماهراَ باستخدام خياله وحواسه.
بعض الأشياء الصغيرة تعلق بالذاكرة كتعويذه للحب الأبدي، وحتى الروائح الملتصقه بتلك الذكريات تتجدد كما الليل والنهار فلا شئ من مساحيق العولمة يستطيع محوها .. فتلتصق بأعماق الروح وتنقلها الجينات للأجيال اللاحقة..
كان الأبيض لونهم المفضل .. ربما لأنهم كانوا رمز للطهارة والنقاء فلم يكن هناك الوان جديرة بهم وبطلّتهم البهية التي تفيض نوراَ حين حضورهم ..فلم يميز اللون الأبيض بين الجد والجدة لا في الأثواب ولا في غطاء الرأس لكل منهم ما ميزهم فقط هو طريقة عقدهم لغطاء الرأس وبعض المطرزات التي تعبر عن الأرض وخيراتها في أثواب الجدة وكان أجمل الأشياء التي تعلمتها هو التطريز فكان يحلو لجدتي أن تلّقبني بالفلاحة وأنا فتاه المدينة .... ولكن بداخلي شعرت بخصب الأرض تمتد كغابات الحناء في وجداني فكان ارتباطي الروحي بالمكان البعيد والزمان القريب ما جعلني أقرب للطبيعه وتفرّدها العظيم والذي ساهمت جدتي بإيقاظه لا شعوريا .
أجمل المحطات في حضورهم هي عذوبة اللسان التي تنطق الحكمة والبيان
رغم قله المستوى التعليمي لكن القرآن الكريم أطلق لسانهم وأعجز العلماء حُسن بيانهم... حتى تلك الرقة التي يصحبها أحيانا شدّه مدرسه تربويه نحتاج للرجوع اليها اليوم لأعادة مسار القطار الى سكته الصحيحه
أعترف إني لم اؤرخ لذكرى أجدادي متعمدة .. لأنها تواريخ مؤلمه ، أردت أن أتذكرهم فقط نابضين بالحياه والحب الجميل ... ما عدا جدتي لوالدي... فقد إرتبطت ذكراها بذكرى ميلادي وحتى كتابتي لهذه السطور لم أعي إني الأن في وقت ذكراها حتى تذكرت إقتراب ذكرى ميلادي ، فتوقفت أفكر : يا الهي أهذه صدفة؟ أيعقل أن أكتب عنها بذكراها دون أن أدري
حتى اني هذا الصباح جدلت من شعري ضفيرتان على غير العادة على شاكله ضفائر جدتي وعندما نظرت الى المرآة وتأملت نفسي رأيتها في تلك الضفائر التي كنا نشاكسها بها وكانت هي رشيقة خفيفة تستمتع باللعب معنا... يا الهي ايعقل ذلك؟
أعرف الأن ان هذه الأرواح الطيبة ترافقنا وترسل لنا رسائل الحب
هناك تواصل يجعلك تشعر بدفئ البعيد وحواس تأخذك لعوالم تراها ساحرة لأنها قد تكون وهميه فعلا ولكنها حقيقية المشاعر ... تعزز إيماني الذي كنت أؤمن به سابقا إن أرواح من نحبهم تحرسنا بأمر من خالقها فهم ملائكه تجوب عوالمنا نحس بها دون أن نراها ..
فيا إلهي ...
إجعل أرواحنا في ملكوت سماواتك سابحه
وإغسلها من ذنوبها الجائرة
ومن فيض رحماتك عامرة
واجمعنا مع من أحببناهم في ديار الخلد العامرة
وسلام ومغفرةعلى أرواحكم الطاهرة







said:


said:






من المغرب