ذاكرة الاجداد

 
 
 
 
 
 
 

ملامح عتيقة حفرت تضاريسها في وجهها الطيب، كل بقعة على الأرض وجدت مكانا  لها في خارطة وجهها .

تراها وتلك الزيتونة الضاربة في عمق التاريخ  قد توحدتا في الأرض لا تدري أي منهما في حضن الأخرى، علاقة حب من نوع نادر، ترى العجوز الطيبة تحضن زيتونتها كعاشقة تعرف كيف تجعل  معشوقها ينثر الحب لها على طرقات حياتها  فيهديها زيتاَ من نور عينيه تضئ بها لياليها المعتمه ، ويملأ مائدتها بغذاء القلب والروح قبل   المعدة  الفارغة الا من القناعة والشكر لله

سرحت بهذا العشق بعيداَ في ذاكرة أيامي ... لم يكن هذا البعد  كثير بمقياس الزمن لكنه كان كثير بمقياس الخواء الروحي الذي أصاب  زماننا الملئ بالتفاهات رغم كل ما فيه من حضارة.
 
 

 في الحارة العتيقة ذات الدروب الضيقه والضجيج المزعج والمحبب بنفس الوقت  لأنه صوت طبيعي لعراك الأطفال حينا أو مشاكسات الجارات أو صياح رجال يعقدون صفقاتهم برعاية السماء داخل قلوبهم الطيبة ...

هناك يقبع بيت جدتي أو هو في الحقيقة خيمتها المحسّنه بعد أن غادرت الخيمة القماشية لتتخذ من الأطلال ذات سقوف القش وجدران الطين بيتاَ يأويها وجدي الذي أرهقته غارات الأيام ورحلات النزوح...

ورغم الفقر الواضح  والحزن القابع في الجدران  لكنك كنت ترى الملائكة  تنشد في أرجاء البيت تراتيل حب أزلي جمع أفرادها على رائحه الجدة

 المميزة  ومائدتها البسيطة حقاَ ولكنها غنية بما كانت تجود به من عبق روحها وحبها .... والجد الغالي  أمتع أوقاته وهو يشاكسها  بصناعة  الحلوى بالفستق السوداني  العابقة برائحة بحر يافا حيث تشبّع هناك هواء البحر وافترش رمال الشاطئ المالح  فلاحقته تلك الرائحة ولا زالت تلاحقنا من بعده ..

في زاوية المطبخ الصغير كان هناك شئ جميل يجذبني ، إنه سلّة الخضار البلاستيكية ذات الثقوب الواسعه ، كان أحب الأشياء لي أن ارافق جدتي لسوق الخضار لسبب واحد فقط  وهو الشعور بدهشة الألوان المتناثرة  في السلّه عندما تمتلئ بالفاكهة والخضار بعفوية و جمال ... قد يبدو مشهدا سخيفاَ  لهذا الجيل ولكنهم معذورون .. فمن  فاتته نكهه ذاك الزمان القريب لا يمكن أن يدركها إلا إذا كان ماهراَ باستخدام خياله وحواسه.

 

بعض الأشياء الصغيرة تعلق بالذاكرة  كتعويذه للحب الأبدي، وحتى الروائح الملتصقه بتلك الذكريات  تتجدد كما الليل والنهار فلا شئ من مساحيق العولمة يستطيع محوها .. فتلتصق بأعماق الروح  وتنقلها الجينات للأجيال اللاحقة..

كان الأبيض لونهم المفضل .. ربما لأنهم كانوا رمز للطهارة والنقاء فلم يكن هناك الوان جديرة بهم  وبطلّتهم البهية التي تفيض نوراَ  حين حضورهم ..فلم يميز اللون الأبيض بين الجد والجدة لا في الأثواب ولا في غطاء الرأس لكل منهم  ما ميزهم فقط هو طريقة عقدهم لغطاء الرأس وبعض المطرزات التي تعبر عن الأرض وخيراتها في أثواب الجدة وكان أجمل الأشياء التي تعلمتها هو التطريز فكان يحلو لجدتي أن تلّقبني بالفلاحة  وأنا فتاه المدينة .... ولكن بداخلي شعرت بخصب الأرض تمتد كغابات الحناء في وجداني فكان ارتباطي الروحي بالمكان البعيد والزمان القريب  ما جعلني أقرب للطبيعه وتفرّدها العظيم  والذي ساهمت جدتي بإيقاظه لا شعوريا .

 

أجمل المحطات في حضورهم هي عذوبة اللسان التي تنطق الحكمة والبيان  

رغم قله المستوى التعليمي لكن القرآن الكريم  أطلق لسانهم   وأعجز العلماء حُسن بيانهم... حتى تلك الرقة التي يصحبها أحيانا شدّه مدرسه تربويه نحتاج للرجوع اليها اليوم لأعادة مسار القطار الى سكته الصحيحه

 

 

أعترف إني لم اؤرخ لذكرى أجدادي متعمدة .. لأنها تواريخ مؤلمه ، أردت أن  أتذكرهم فقط  نابضين بالحياه والحب الجميل ... ما عدا جدتي لوالدي... فقد إرتبطت ذكراها بذكرى ميلادي  وحتى كتابتي لهذه السطور لم أعي إني الأن في وقت ذكراها حتى تذكرت إقتراب ذكرى ميلادي ، فتوقفت أفكر : يا الهي أهذه صدفة؟ أيعقل أن أكتب عنها بذكراها دون أن أدري

حتى اني هذا الصباح جدلت من شعري ضفيرتان على غير العادة على شاكله ضفائر جدتي  وعندما نظرت الى المرآة وتأملت نفسي  رأيتها في تلك الضفائر التي كنا نشاكسها بها  وكانت هي رشيقة خفيفة  تستمتع باللعب معنا... يا الهي ايعقل ذلك؟

أعرف الأن ان  هذه الأرواح  الطيبة ترافقنا  وترسل لنا رسائل الحب 

من عالمها السرمدي  فتنثر رحيقها الطيب شذى على أرواحنا
 المتعبة 

هناك تواصل  يجعلك تشعر بدفئ البعيد وحواس تأخذك  لعوالم تراها ساحرة لأنها قد تكون وهميه فعلا ولكنها حقيقية المشاعر ...  تعزز إيماني الذي كنت أؤمن به سابقا إن أرواح من نحبهم تحرسنا   بأمر من خالقها فهم ملائكه تجوب عوالمنا  نحس بها دون أن نراها ..

فيا إلهي ...

إجعل أرواحنا  في ملكوت سماواتك  سابحه

 وإغسلها من ذنوبها الجائرة

ومن فيض رحماتك عامرة

واجمعنا مع من  أحببناهم  في ديار الخلد العامرة

وسلام  ومغفرةعلى أرواحكم الطاهرة

 

 

 

 

 
 


أضف تعليقا

اضيف في 06 نوفمبر, 2008 03:19 م , من قبل احمد عمر الناصري
من المغرب said:

سيدتي منى

لم اكن ادري ان للكلمات كل هاته القدرة

على التصوير

وكان المشهد يمر امامنا/

/

فعلا كم اشتقنا لتلك الايام البسيطة

والعفوية حتى ان بضع سنين مضت يخيل الينا

انها مرة قبل عقود من كثرة تسارع الزمن

وسرعة تغير ملامح الحياة ونحن من كنا

بالامس فقط نلهو ونلعب بملئ حواسنا

وعلى الدنيا السلام

اضيف في 07 نوفمبر, 2008 11:26 ص , من قبل ابوعدي said:

اختي العزيزة منى

اشكر لك السؤال واعتذرعن تقصيري
اتمنى ان تكوني والعائلة الكريمة بالف صحه وخير وهناء
سلامي لزوجك الكريم وولديك والجميلة سامية وزوجها

دمتم بخير

اضيف في 08 نوفمبر, 2008 10:12 ص , من قبل alkazzab said:

لم يبق الا :
ان أشتم عبق الارض
بعد اولى زخات المطر
ورائحة الزيتون والزيزفون
لم يبق الا ان ينطق الحاسب
باهزوة البيادر والقطاف

عذرا على اقتحام خصوصية الصفحة
واصبحت اخجل ان ادعوك لزياة صفحتي
لك كل الاحترام والتقدير

اضيف في 09 نوفمبر, 2008 03:08 ص , من قبل الحالمة
من لبنان said:

غاليتي تزرعين بالروح اشتياقا
تمطرين صحراء قلبي محبة
حبيبتي اعتذر عن التقصير وذلك لاسباب خارجة عن ارادتي اسلوب رائع يصور لنا المشهد شكرا لك ودمت بير

اضيف في 10 نوفمبر, 2008 04:46 م , من قبل نياز المشني said:

الاخت ام المعتصم
................
يحزننني انني لم ازر هذه الذاكره من لحظة انزالها
التي تعبق بالاجداد او الجذور
رغم اني دائما اعيش وانا احمل على كاهلي
ان تكون لوحاتي
تحمل هذه الذاكره الغنيه
بالالم والفرح المسلوب
........
تحياتي لك ولكل افراد عالتك

اضيف في 15 نوفمبر, 2008 04:57 م , من قبل words2007 said:

سرحت بهذا العشق بعيداَ في ذاكرة أيامي ... لم يكن هذا البعد كثير بمقياس الزمن لكنه كان كثير بمقياس الخواء الروحي الذي أصاب زماننا الملئ بالتفاهات رغم كل ما فيه من حضارة.

.

.

تدركين اختراق الأماكن القابعة فينا نحسها ولكن لانراها
الخواء يعصف بالأمكنة ونحن نحاول اجترارهم بالذاكرة لندفء بهم وبتلك الأيام .. حين كان للحياة وجه آخر
بسيط لكنه أكثر عمقاً ودفئا وحياة

.


.

نعم منى تأكدى من ذلك .. الأموات لايرحلون أنهم يتنقلون بالجوار .. تحرسنا أرواحهم الطاهرة ونحسهم

قبل أيام احسست بوجود تلك الروح الحبيبة التى رحلت قبل عام تنظر الى وانا نائمة.. لم اريد ان اصدق
اعتبرتها هواجس يقظة

لكنى الآن اصدق انهم بالجوار
لأنى اريد ذلك

ما أجمل ان يكون دفئهم حاضراً عندما تصبح كل تالدنيا شتاء

دمت بدفء لا يخبو منى

ودام قلبك عامراً بأخضراره

اضيف في 17 نوفمبر, 2008 12:40 م , من قبل mafhm
من سوريا said:

اختي الغاليه
وهل هناك اجمل من التراث
لعله الزخر الذي نعيش به
سعدت بالمرور عندك ملكتنا
كوني بخير



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية
ImageChef Custom Images